التغيير وروحية العصر في العالم العربي    Change and the Zeitgeist in the Arab World  

وائل المهدي (2010)   Wael Al-Mahdi, 2010   

 في خضم التغيرات التاريخية الأخيرة في الوطن العربي، بالأخص في مصر، أثار المتخصصون والعامّة على حدٍ سواء تساؤلات كثيرة حول أصل هذه التغيرات ووجهتها المُحتملة.  وتماماً كما يتكلم الاقتصاديون عن الاقتصاد الكلي والاقتصاد الجزئي، دعنا نتأسى بهم ونحاول أن نتناول التغيرات الأخيرة بنظرة تاريخية شمولية تركز على مفهوم النفسية الجمعية من ناحية وعلى مفهوم روحية العصر من ناحية أخرى.  “روحية العصر”, أو ما يُعرف في الإنجليزية بـ Zeitgeist  ، هي فكرة أن لكل عصر جوهُ الفكري والثقافي والاجتماعي، وأن جو هذا العصر يفرض نفسه على الفرد والجماعة، وأنه يتطور مع الزمن، وأن من يعارضه قد ينتهي به الأمر في هوامش التاريخ.  المحرك الرئيسي لروحية العصر هي النفسية البشرية الجمعية، وهي ما يحدث في نفسيات الجماعات البشرية على مدى العصور من تطورات في الأفكار والقيم، غالباً بطريقة غير واعية.  وهي المنظومة النفسية البالغة القدم التي تتعدى الفرد والتي يُحسب عمرها بالقرون، كون قالبها هي الأمم والشعوب وليس الفرد، والتي غالباً ما  يصعب فهمها على أبناء العصر ذاته.  وهنا نطرح سؤالَ المليون الدينار:  هل ما نراهُ اليوم يحدث في تونس ومصر، والذي قد يمتد إلى مناطق أخرى في الوطن العربي، هل هذا مجرد الوصول المتأخر لروحية العصر إلى أعتاب المنطقة؟  روحية الديمقراطية وحقوق الإنسان واحترام المواطن وحق الجميع في حياة كريمة ورفض الاستبداد والدكتاتورية قد وصلت آنفاً إلى مناطق شتى مثل أمريكا الجنوبية (انظر البرازيل اللاعب الاقتصادي ذا الوزن الثقيل وتشيلي التي وُلدت من جديد مع إنقاذ عمّال المناجم)، وأوروبا الشرقية (لاتفيا وإستونيا بعد 70 سنة من التسلط السوفييتي)، وآسيا (كوريا الجنوبية وماليزيا بعد عصر الدكتاتورية).  ربَما، وبعد التطورات التي امتدت إلى النفسيات ومنظومات القيم لدى الشعوب الأخرى في العالم، آن الأوان أن تصل هذا الروحية إلينا في الوطن العربي، وهو الوطن الذي يأس أبناءه منه حتى عهد قريب جداً.  تونس جسدت المثال البرَاق مؤخراً في تحرَك  المواطن المثقف ديمقراطياً ورفضه للشمولية، حتى بتنا نتساءل بإعجاب، “من أين جاء هذا؟”.  وهاهي الآن تفاجؤنا مصر هي الأخرى بتحرك المجتمع وإصراره على حق الحياة الكريمة، و هو ذات المجتمع الذي بقى في شرنقة الصمت على مدى عقود.  النفسية البشرية الجمعية لأمةٍ ما قد تكون قادرة على تخرين المعانات لمدة طويل، تماماً كما يستوعب البحر الملوثات، لكن هذه القدرة على الاستيعاب محدودة, وانتفاض الجماعة، كقطيع مستيقظ في هذا الحالة، مجرّد مسألة وقت.   

والحقيقة أن ما رأيناه في مصر من محاولات شعبية للتغيير أجبرنا على إعادة الحسابات للإمكانيات المتاحة أمام الأُمم التي تسعي إلى الأفضل بعد فترة طويلة من تعطّل النمو، وهو الأمر الذي أسر خيال الفرد العربي كما لم يُؤسر لمدة طويلة جداً.  المنطقة بل العالم بأكمله يتلهف إلى طريقة لفهم هذه الأحداث التي تحتمل الكثير من التفسيرات والتحليلات.  ولم يقصّر المختصون حيث قدم لنا المحللون وعلماء الدين والأساتذة والسياسيون والصحفيون والطلاّب وحتى خبراء المخابرات السابقون، كل هؤلاء قدموا لنا شتى أنواع التحليلات، منها ما يُنقع، ومنها ما يصعب تصديقه، ومنها ما يعكس بكل ببساطة آمال القائل وأحكامه المُسبقة.  ولكن، و نحن في صدد ما قد يُصبح التغير الاجتماعي والسياسي الأهم على مدى الخمسين سنة السابقة في الوطن العربي، هل تناولنا بما يكفي من الجد الجانب النفسي لهذا التغير وأبعاده المحتملة؟  فالميكانيكيات النفسية، رغم كونها مستورة من قلوب وأذهان الناس، تلعب الدور الأهم في جميع التغيرات المصيرية التي تمر بها الشعوب.  كيف لا يكون ذلك ونحن بشر، تحركنا النفسيات قبل كل شيء، وهي الأمر عينه الذي يميزنا عن سائر الحيوانات؟

ولكي لا يكون نقاشنا معرض للتكهنات، حيث “كل شيء يعني كل شيء” كما قال العالم النفسي الرائد كارل يونغ، دعنا نضع بعض المبادئ الأساسية في محاولتنا فهم التغيرات الراهنة.  أولاً هناك بلا شك عمليات تطورت نفسية تمر بها الشعوب والثقافات تستمر قرون طويلة وقد لا نستطيع أن نرى آثارها إلى بعد مرور عصر التغير.  هناك مثلاً عملية تبلور مبدأ حقوق الإنسان من ناحية والأخوة الكونية وتساوي البشر من ناحية أخرى بالرغم من الاختلاف في القبيلة أو الإثنية أو الدين.  منذ عصر حمورابي جسدت  شريعته الشهيرة حقوق المواطن والتزام الملك نفسه بقانون البلاد الذي “كتب في الحجر”.  وبعده انتقالاً إلى العصر اليوناني والهيليني ونحن نرى تركيز الفلاسفة اليونانيين وعلى رأسهم سقراط على فكرة تساوي البشر من ناحية، وتأكيد سياسيو أثينا من ناحية الأخرى على تساوي الجميع أمام القانون، وهم ذاتهم الذين اخترعوا فكرة الديمقراطية.  ثم رأينا مبدأ المساواة أمام الله تتجسد من جديد مع قدوم المسيحية، وبعد ذلك نمت وتطورت في عهد الإسلام الذي أصر على مبدأ المساواة عينه، وهو ذات المبدأ الذي عبر عنه الأمام علي بقوله “الناس صنفان:  إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق”.  أضف إلى ذلك وضع الإسلام لشريعة شاملة تساوي بين جميع طبقات المجتمع.  ولم يتوقف التطور التاريخي عند ذلك، بل مر بمراحل كثيرة في مناطق كثيرة، حيث طالب مواطنو ممالك شتى من ملوكهم الإقرار بلوائح حقوق المواطنين، منها لائحة الحقوق الكبرى (المعروفة بـ Magna Carta) في عصر الملك جون في القرن الثالث عشر في إنجلترا، حيث نص البند الأول على “تقديم الحريات لجميع المواطنين في المملكة، وعدم السماح للملك بممارسة إرادته بطريقة تعسفية”.  ولننتقل بعد ذلك خمسة قرون إلى “إعلان حقوق الإنسان والمواطن” في فرنسا و”لائحة الحقوق” في الولايات المتحدة، تلك الوثيقتان التأسيسيتان التي ظهرتا، طبقاً لروحية العصر السائدة، في نفس العام:  1789.  وفي العالم الإسلامي رأينا “فرمان الإصلاحات” التي أقره السلطان العُثماني عبدالمجيد الأول الذي نص على تساوني الجميع أمام العدالة بغض النظر عن الديانة.  بعد كل ذلك نصل إلى تأسيس الأمم المتحدة، والتي أصدرت في سنة 1948 “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان”، والذي صيغ بنده الأول الشهير هكذا:  يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق، وقد وُهبوا عقلاً وضميراً وعليهم أن يعامل بعضهم بعضاً بروح الإخاء. 

نرى من ذلك أن التطورات في النفسية البشرية الجمعية، والتي تكتنف التطورات في الحس الأخلاقي وقيم المساواة، لها تاريخ بالغ القدم يمتد منذ فجر البشرية بقبائلها الصغيرة والمتناثرة و التي حكمتها مجالس الشيوخ والأعراف غير المكتوبة، إلى عصرنا اليوم، عصر التفاعل الكوني والقرية العالمية والذي عبّرت عنه مجلة “تايم” Time Magazine  في 2006 باختيارك أنتَ، أيها القارئ ومستخدم  تقنيات الاتصال الحديثة، كالشخصية الأهم لتلك السنة، حيث وضعت المجلة على غلافها ما يُشبه المرآة (لكي يرى القارئ نفسه فيها) بدل من أن تضع صورةَ شخص مهم أو متنفذ كما دأبت في السابق (ربّما ليس من العجب اختيار مارك زوكربرغ كشخصية العام لسنة 2010 وهو مؤسس شبكة فيسبوك الشهيرة والذي ما زال في العشرينات من عمره).  ومن هنا نرى دور الإنترنت في إحداث التغيير في تونس ومصر وإيران، حيث رأينا تنظيم مظاهرات واسعة النطاق عبر الفيسبوك وموقع الرسائل  الفورية تويتر وهو الأمر الذي أعطى الشخص العادي قوةً بالغة لم تكن متخيلة حتى في السنوات القليلة الماضية.  وتبعاً لفكرة تطور النفسية البشرية الجمعية تأثيرات روحية العصر، نستطيع أن نُلاحظَ بوضوح إعادة توزيع القوى من التركيز في جهة واحدة إلى عموم الشعب، الأمر الذي سيتبعه بالضرورة مطالبة الفرد بحقوقه بصورة أكثر إلحاحاً.      

ربَما، ونحن على أعتاب تغيرات تاريخية بالغة الأهمية، تغيرات ستعيد تنظيم معنى المواطنة ودور المجتمع المدني للقرون الآنية، ربَما يجب أن لا تعجب كثيراً من حقيقة أن روحية العصر وصلت أخيراً إلى منطقتنا. الفرد العربي جزء من منظومة واحدة، والوطن العربي جزء من المنظومة العالمية، بما في ذلك الجانب النفسي والثقافي  .  ونلخّص ما أسلفنا في قول الشاعر جون دَن في القرن السابع عشر:”ليس هناك رجلٌ كجزيرة، معزول تماماً عن قارّة الآخرين” حتى يقول “ولذلك لا تسأل لمن تدق الأجراس حين يموت شخصٌ ما، لأن الجرس دائماً يدق لك”.     

 

 

 

One Response to التغيير وروحية العصر في العالم العربي

  1. Hussai Al-Amily says:

    أحسنت،
    وعندي شبيه له نشره لي د/ طه حسين في مجلة الكاتب المصري تموز 1948اذا عنك فاكس ارسله لك
    هل وصلتك الصور
    من يونولارو بالانترنت؟
    تحياتي
    junularo

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*


*

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>