الوعي باللاوعي:  نظرة شخصية إلى أفكار كارل يونغ

الجزء الأول

وائل المهدي

مقدمة

تتناول هذه الوريقات القصيرة أفكار العالم كارل يونغ الرئيسية، وخصوصاً أفكاره كما يمكن تطبيقها في فهم الأدب  من ناحية، والنظر إلى الأحداث العامة من ناحية أخرى، وليس فقط من ناحية الصحة أو المرض النفسييَن.  يجب أن ألفت نظر القارئ أولاً إلى أنني لست طبيباً أو عالماً نفسياً، ولا مؤلفاً، ولا أديباً، ولا مؤرخاً.  ولكن من منطلق أن الحكمة ظالة المؤمن، ومن مبدأ إيجابية إلمام الفرد الحديث بأوسع ما يمكن من النظرات التي تتعلق بفهم العالم من حوله، فقد حاولت (كفرد يميل إلى التأمل بين الفينة والأخرى) أن أقطَر فهمي الشخصي البحت لأفكار عالم النفس يونغ، بما في ذلك تطبيقها على شكل منهجية عملية في فهم المنتجات الفنية والأحداث التاريخية أو المعاصرة.

لذا فأريد في بادئ الأمر التشديد على النقاط الآتية:

-          يمثل ما يلي آرائي الخاصة وليست بالضرورة انعكاساً دقيقاً أو بحثاً مفصّلاً لأفكار اليونغ الأصلية، حيث إنني لست متخصصاً بل متهماً ومتابعاً لعلم النفس.

-          يجب أن لا تؤخذ أفكار يونغ، أو ما أفهمُه منها، على محمل العقيدة أو التصديق؛ فهي عبارةٌ عن نظريات ضمن عدد كبير جداً من النظريات.  وكما هو الحال في جميع النظريات، فهي لا تصف سوى جزءً من الظواهر ذات الصلة، ومنظوراً معيناً مبنياً على فلسفة أو منهجية معينة، بطريقة لا تتصف دائماً بالشمولية.  بمعني آخر، فإن أي نظرية كانت هي مجرد إضافة فردية إلى الأدوات الذي يستخدمها الذهن البشري في تفهم العالم، وليست آياتً منزلة.

-          لا أستطيع أن أبالغ في التأكيد على وجوب أن يُعمل القارئ الحس التاريخي عند النظر إلى أفكار يونغ، أو إلى أي مفكر آخر، فهو، كسائر الكتّاب عبر العصور، لا يعكس سوى فترةً تاريخيةً محددة، بكل ما يتضمنه ذلك من مرحلة تطور الفكر الفلسفي والعلوم التجربية، والميول الأخلاقية، وآراء المجتمع المحيط، بالإضافة إلى ما رفضه ذلك العصر من أفكار العصور السابقة أو ما مهّد له من تطورات العصور التالية.

-          أذكّر بأهمية عدم الحكم على الأفكار التالية، أو ما سواها من أفكار، من منظور الحقيقة أو الكذب, فليس المحك هنا التصديق أو التكذيب، بل الاستعانة الدائمة بالموضوعية والتوازن في الأخذ أو الرفض.  كما واؤكد أن المنهج المطروح ليس حلاً شاملاً أو أكسيراً سحرياً لجميع المشاكل التاريخية، ولن يوفر بالضرورة شتى الحلول للأسئلة العالقة، بل هو مجرد بوابة لطُرِقٍ يتوجب على القارئ أن يستدل عليها بنفسه، أو جملة ناقصة يقوم القارئ المتأمل بإكمال فراغاتها.

كارل يونغ واحتضار القرون الوسطى

من الطبيعي، قبل أن نقرأ كتاباً ما، أو نقول “الكتاب يُعرف من عنوانه”.  كذلك يمكننا القول أن الكتاب يُعرف من مؤلفه، والمؤلف يُعرف من عصره وبيئته.

وُلد كارل غوستاڤ يونغ Carl Gustav Jung في عام 1875 في قرية صغيرة في الجزء المتكلم باللغة الألمانية من سويسرا، حيث كان أبوه پول يونغ راعي تلك القرية.  على عكس الكثير من المفكرين في منطقتنا المتحدثة باللغة العربية، فلم يكن يونغ أول مفكر في عائلته، بل كان نسبه يزخر بأساتذة الجامعات ورجالات الكنيسة.  كان أبو يونغ خريجاً جامعياً (قارن ذلك بمنطقتنا، التي لم تعرف في معظمها الجامعات إلا في وقت متأخر نسبياً)، كما أن جده كان عالم لاهوت معروفاً.  في القرن السادس عشر، عُرف أحد أجداد يونغ، والذي سمّي كذلك كارل يونغ، بعلم وتعليمه في الجامعات.  لم تخلو خؤولة يونغ كذلك من المتعلمين، حيث عُرف أخواله بدراسة علم اللاهوت وسجل مترجمو حياة يونغ الكثير من المناقشات التي أجراها يونغ المراهق مع أبناء خواله.  من ناحية أخرى، مالت يونغ إلى دراسة الماورائيات، حيث عُرف عنه إجراء جلسات سحرية مع بنات خواله.

إذا سمحنا لأنفسنا بقبول كل ما ورد في سيرة يونغ الذاتية، والتي أشرفه على كتابتها (الذكريات، الأحلام، والتأملات Memories, Dreams, Reflections) فيمكن القول أن يونغ وُلد ليكون من هؤلاء الذين قدّر لهم دراسة النفس البشرية، حيث اهتم بالأحلام والميثولوجيا منذ نعومة أظفاره، وابتكر طقوساً خاصةً به في طفولته (يجدر الالتفات إلى أننا لا نستخدم كلمة ميثولوجيا بمعنى الخرافات البالية أو الكاذبة، ولكن بمعني المتنوج السردي أو الفني الحضاري الذي يمثل أعلى القيم والقضايا التي تعاملت معها حضارةً معينة.  فمثلاً، لا تمثل حكاية أوديب قصةً سفاحيةً منحطةً، ولكنها تجسّد أخطر قضايا القرار الفردي والقدر المدمّر التي تصارع معها العقل الإغريقي) .  إضافةً إلى ذلك، نشّطت بيئةُ يونغ الريفية اهتمامه بالطبيعة وبالماورائيات، كما ساهمت في ذلك أزمة أبيه العقائدية الذي لم يستطع أبو يونغ التعامل معها.  انغمس يونغ منذ شبابه في الفلسفة، والدين، والأسلوب العلمي التجريبي في التفكير، وأتقن اللاتينية والإغريقية قبل أن يصل إلى فترة المراهقة.

بعد فترة طفولة ومراهقة تميزت بالوحدة وعدم التكيف مع المجتمع، شبّ يونغ في كلية الطب في بازل حيث عُرف بقوة شخصيته وميله للنقاش الذي قد يصل إلى اللجاج أحياناً.  احتار يونغ عند اختيار مسيرة دراسته الجامعية، حيث كان يقف أما خياريين:  أما الطب أو علم الآثار.  أخيراً، ونتيجة لرغبته المتخذرة في فهم تجاذات النفسية البشرية، إتختار الطب البشري طريقاً إلى طب النفس، والذي كان علماً ناشئاً في ذلك الوقت.  ولأن يونغ نشأ كطبيب وعالم نفس في بداية فترة تأسيس تلك العلوم، فقد درس تحت وعمل مع الرعيل الأول من عملاء النفس في أوروبا وأمريكا، من أمثال فرويد (التي كان مرشداً ليونغ قبل اختلافمها وفراقهما الدراماتيكي)، وآلفرد آدلر، وأوتو رانك، وويليم جيمز، وغيرهم.

من ناحية التوذق التاريخي، فقد يكون أهم ما نلاحظه في حياة يونغ أنه وُلد في خلال فترة انتقالية في أوروبا (والتي امتدت بعد ذلك في العالم أسره) كانت تشهد انتشار وتعزيز العلوم التجريبية، بالإضافة غلى تطورات اجتماعية واقتصادية وسياسية، ونشوء وتمكّن ما عُرف بالأيديولوجيات (كرأسمالية والشيوعية مثلاً).  شهد يونغ كذلك فترةً خطيرةً ألا وهي فترة تراجع الأديان التقليدية في أوروبا وضعف تأثر الأفراد والمجتمعات بالنظرة الدينية للحياة، حيث كان نيشته قد أعلن منذ فترة قصيرة موت الحس الديني في أوروبا (متنبئاً بذلك التغير قبل انتشار التغير الفعلي بعدة عقود).

برز يونغ في نهايات القرن التاسع عشر حيث كان على أعتاب القرن العشرين, العصر الذي كان ذاته عصر احتضار النظرة إلى العالم التي كانت سائدة في القرن الثامن عشر.  عُرف القرن العشرون بفترة الحداثة، حيث تضمن نمو ثقة الإنسان بنفسه، عدم استحيائه في التحكم في الطبيعة من حوله، ضعف إيمانه بقوة الرب، وسعيه إلى تأسيس “الفردوس على الأرض” أو ما يُعرف بالأوتوپيات utopias، كما دعت إلى ذلك الشيوعية مثلاً.  وجد الإنسان الحديث في ذلك الوقت نفسه في فترة تحول غير مسبوقة، انحلت فيها قِيَم القرون الماضية المجربة وحل محلها الشك الأخلاقي والتساؤلات الوجودية.  اجتماعياً واقتصادياً، بدأت الأسرة النويية المنعزلة تحل محل العائلة الريفية الممتدة، تم تأسيس البيروقراطيات الحديثة، وسعت دول أوروبا التي أغنتها غنائم الاستعمار إلى إنشاء نظام مالي حديث.  في الوقت ذاته، تطور فهم علماء الفيزياء للعالم المادي بعد هضمهم لاكتشافات نيوتن والتي أوصلتهم إلى مشارف نظرية النسبية التي قلبت نظرتنا إلى الكون رأساً على عقب، كما وهز داروِن عالم الفكر وعلم الأحياء باكتشافه لعملية النشوء والارتقاء والتي ما فتأت أن أصبحت جزءً لا يتجزء من صندوق الأدوات التي يستخدمها علماء الأحياء لتفهم الحياة الفطرية وحتى الجسد البشري.

من جهة أخرى، فقد رأت تلك الفترة وداع القرن الثامن عشر، وكل ما رمز له ذلك القرن من حياة القرون الوُسطي والعصور المظلمة في أوروبا، فكراً وسلوكاً.  في عصر بروز يونغ، ضعفت سيطرة الكنيسة على الحياة الخاصة والعامة، وفقد الكتاب المقدس المسيحي الكثير من قدسيته بعد أن شرع المؤرخون في تحليله منهجياً.  إضافةً إلى ذلك، أكملت بعض التفسيرات للظواهر الطبيعية تغلغلها في مخيّلة العامة، وإن جاء ذاك التغلغل بعد قرون من اكتشاف تلك التفسيرات، من قبيل أن الشمس تقع وسط المجرة وليس الأرض، وأن عمر الأرض أطول بكثير من تقدير الكنيسة لذلك (من 5000 إلى 10.000 سنة حسب الكنيسة، ولكن يقدر العلماء اليوم عمر الأرض بما يقارب 5 بلايين سنة).  أضف إلى ذلك التغيرات الاجتماعية التي حرّكتها التطورات الأخلاقية:  مثلاً، رفض العبودية، تساوي جميع البشر (أو المواطنين، على الأقل) في قيمتهم أمام الله والقانون، والانقلاب الشاسع في الأخلاقيات والمفاهيم الذي أحدثته الثورتان الفرنسية والأمريكية.  لم تترك كل تلك التطورات المنظومة الاجتماعية دون تغير جذري، حيث ضعفت المفاهيم الأخلاقية التي أُسّست عليها الاقطاعية، مؤديةً إلى ازدهار بذرة الديموقراطية والعقد الاجتماعي الفاعل، ولو كان ذلك في عالم الأفكار قبل عالم الواقع، حيث كانت حربان مدمرتنان مازالتا تنتظر أوروبا في المستقبل.

خلاصةً، وحد الفرد المتأمل في تلك فترة نفسه في عالم متغير وانتقالي (كما عبر عن ذلك طه حسين من منظور عربي، عندما انتقد “عصر السرعة” من ناحية ودعى إلى تحديث تعاملنا مع الأدب من ناحية أخرى)، عالم فقد نظرته الميثولوجية القديمة، والتي مدّت الإنسان بكل قِيَمه وأخلاقياته، وثبّتت تقبله للقدر رغم المظالم والطبقية والحروب والمجاعة، وأثنته عن مساءلة الأشخاص والظروف والأشخاص التي من حوله.  إذاً، في مخاض العصر الحديث الذي شهده يونغ، كان الإنسان في صدد فقدان عطف السماوات، وسقف الكرة الأرضية المغلف له فيزيئياً ونفسياً، وكل ما رمزت له الآلهة المطلة عليه من وراء الكواكب والنجوم، كما وفقد الآلهة الأم من تحته، ألا وهي الأرض الحنون، والتي نشأ منها والتي إليها يعود.  ولكي نعطي القارئ الشرقي فكرةً وحساً بسيطةً عن هذا العالم القروسطي المتراجع، يمكن أن نأخذ مثالاً الجن، حيث لم تعد تمثل فكرة وجود الجن هاجساً قوياً ويومياً كما كانت في عهد أجدادنا، والتي أشرتُ إليه سابقاً بتعبير the jinn are dead أي “لقد مات الجن” (لا يشير ذلك إلى موت جسدي، كما أننا لسنا في صدد الدعوة إلى التخلى العقائدي إلى الإيمان في وجود الجن؛ ولكن الأمر يتعلق بالإيمان العملي في وجود الجن، أي ذلك الاعتقاد لم يعد يشكل هاجساً يومياً يؤثر على التفكير والسلوك، مثل ادعاءات مشاهدة الجن في الخربات، أو الخوف من الظلام، أو ترك الطعام لهم، أو عدم رمي القمامة في مناطق معينة خوفاً منهم إلخ).  فلنستذكر هنا كذلك، إننا حين ما نوظف هذه التعابير الميثولوجية، من قبيل الآلهة الأم، فإننا لسنا في صدد تجسيد وتشجيع أي عقيدة وإيمان معين، بل هي عبارات بلاغية وتشبيهية تسهل علينا تفهم وتخيل نفسية غالبية أفراد البشرية في عصور ما قبل العلوم التجريبية، وكيفية اختلاف تلك النفسية الجذري عن نفسية الإنسان الحديث في عصرنا، حتى لو كان ذلك الإنسان ينتمى إلى المجتمعات الأكثر تديناً.

أدرك يونغ جيداً زوال العصر القديم، عصر القرون الوسطي، مع كل ما تميز به من ميثولوجيا حية.  ولن تبالغ إن قلنا أن يونغ كان من النادمين على زوال الميثولوجيا القديمة، حيث شعر أن البشرية فقدت “رحمَها” الأصلي الذي طالما وفر لها الحماية، بالرغم من ضرورة التخلى عن ذلك الرحم في نهاية المطاف حيث كان ذلك النتيجة الطبيعية لسعي المنطق البشري لفهم الظواهر الخارجية والداخلية.  ولكن ماذا كانت فائدة تلك الميثولوجيا؟  كانت مفيدةً بالطبع، بالرغم من عدم كونها نفعية، فهناك فرق بين المفهومين.  لم تكن ولن تكون اليثولوجيا نفعيةً، بمعنى أنها لا يمكن أن “تطعمك الخبز”، ولكنا كانت ومازالت (في قالب حديث مختلف) مفيدةً من ناحية نفسية أو روحية.  كانت الأفكار الميثولوجية في العصور السابقة للحداثة تعبيراً، أو نتاجاً، أو خلاصةً، أو تجسيداً، في قالب طقسي أوفني أو سردي أو موسيقي وتمثيلي، لكل ما هُوست به الثقافة، سواءً على المستوى الأخلاقي، والعقائدي، والديني، والقيَمي.  لا نبالغ إن قلنا إن الميثولوجيا كانت خلاصة طريقة الحياة للثقافات، لذا كانت قيمةً جداً، لأنها كانت تجسيداً لكل ما يبعد الشكوك ولكل ما يضع الأمور في نصابها، خصوصاً في عالم لا تؤمن عواقبه كعالم البشر القاسي.  ولذا، لاحظ المفكرين من أمثال نيشته وكيركغورد، وغيرهما كثيرون، عملية الانحلال ذلك العالم القديم وغرّة ولادة عالم جديد يتجلّى فيه الإنسان مستقلاً وغير مدعوم من قبل الآلهة.  أما يونغ، فلم يقل عن غيره من المفكرين في الإحساس والتعرف على ذلك الانحلال الذي مس الميثولوجيا العتيقة، إلى حد التألم والندم في كثير من الأحيان.  ولكن ما ميّز يونغ، خصوصاً في سياق نقاشنا هنا، هو “الحل” الذي طوّره للتعامل مع هذه الحالة الحضارية الانتقالية، والتي كانت ومارالت مرضيةً وواعدةً في آن واحد.  فبينما نصح كيركغورد بتغيير طبيعة العلاقة مع الرب مع الاعتراف باستعصاء فهمه على البشر (حيث قال أن الفرق بين الإنسان والرب هو مسألة نوع وليست مسألة قَدر)، ونصح نيتشه بالتخلص من المقدّسات وتتويج “الإنسان الفوقي” (Übermensch) الذي سيأخذ مكان القدسيات المائتة وسيواجه قدرَه وحيداً حتى لو تطلب ذلك التكرار الأزلي للحياة (ما أسماه “العودة الأزلية”)، جنح يونغ إلى المحافظة على الأحاسيس والتجارب المعتّقة من ناحية وتقبل العالم الحديث من ناحية الآخرى.  رغم من اعتراف يونغ أن العالم القديم قد زال بصورة نهائية ولا أمل في رجوعه، إلا أنه حرص على إيجاد طريقةً ما (قد تكون مصطنعةً بعض الشيء) في الرجوع إلى تلك العصور الفائتة، بكل ميثولوجيتها، ولكن مع التمسّك بتجذير الأرجل في سماد العالم الحديث.

أدرك يونغ إدراكاً تاماً موت القرن الثامن عشر وما سبقه من قرون، ولكنه اعتبر الاتصال بتلك النظرة العتيقة إلى عالم مسألة صحية من الطراز الأول.  حيث أن يونغ لم يحتقر الميثولوجيات القديمة بكل رواياتها غير المعقولة والمبالغ فيها, وبكل أبطالها وحسنواتها وآلتها الغيورة، ولكنها اعتبرها تعبيراً صادقاً ومباشراً عن أعمق قضايا النفسية البشرية التي أرقت الإنسانية منذ نشأتها.  ووضغ يونغ إعادة الاتصال مع الظواهر النفسية الميثولوجية في خانة الحرص على الصحة النفسية، حيث انتقد حالة “قلع الجذور” التي يتميز به عصرنا الحديث.  وطبق يونغ ذلك في عمله العلاجي، والذي حظى عن طريقه على مرضى وأتباع موالين كُثُر، والذي أكد من خلاله على إعادة الاتصال مع النفسية البشرية الأصيلة عن طريق تحليل الأحلام، والرسم، والنحت، والشعر، والتأثر بالهيبة الدينية المباشرة التي كانت عموميةً في السابق والتي باتت اليوم خصوصيةً ومقتصرةً في بعض الدول على أريكة الطبيب النفسي.

ولكن ما هو “المكان” الذي احتوى بذور الميثولوجيا، والتي ادعى يونغ أنها يمكن أن تنبت وتزدهر في كل عصر وفي الكثير من الأفراد على شكل صُور وقصص مشابهة لبعضها، خصوصاً في الأحلام، بصورة تلقائية ودون الحاجة إلى تعلّمها في الآخرين؟  أسمى يونغ ذلك الكنز من الصُور الغابرة “باللاوعي”.

ما هو اللاوعي unconscious حسب يونغ؟

عندما كان كار يونغ مراهقاً، كان يعتقد أن له شخصيتان:  شخصيته الطبيعية كصبي وُلد في نهايات القرن التاسع عشر (والتي أسماها بالشخصية رقم 1)، وشخصية أخرى على شكل رجل مسن من القرن الثامن عشر، يرتدي ملابس قديمة ويملك أراضٍ زراعية (والتي أسماها، طبعاً، بالشخصية رقم 2).  ويروي يونغ أنه في الرابعة من عمره حلم أنه ولج إلى صالة تحت الأرض حيث وجد إلهاً وثنياً مخيفاً للغاية، يستوجب الهيبة، طويلاً وممشوقاً لديه عيناً واحدة؛  وسمع يونغ صوتاً في الخلفية يقول “هذا آكل البشر”.

تساءل يونغ، ولم يفتأ يستاءل على طوال حياته المهنية، عن مصدر تلك الصور الغابرة التي كانت جزءً من عالم مضى ولم تعد منتشرةً في نظرتنا الحديثة للحياة.  اقترح اليونغ فكرة اللاوعي لتفسير ذلك.  لم يكن يونغ أول من تكلم عن اللاوعي، حيث تطرق لذلك الكثير من المفكرين في السابق، بما في ذلك نيتشه، ومن بعده ذلك العالم الذي كان معلمَ يونغ في المراحل الأولى من حياته المهنية ألا وهو عالم النفس المؤسس فرويد Freud، الذي عمل كثيراً على البحث من فكرة اللاوعي ونشرها.

حسب يونغ، فإن مفهوم اللاوعي ينصب في قالبين:  من ناحية، فهو بمثابة “عقل آخر”، وبالأحرى “العقل الطبيعي” الأكثر شمولاً من عقلنا الواعي.  يحتوي العقل الآخر، أي اللاوعي، على جميع الأفكار والآراء والاستنتاجات والتنبؤات والانطباعات التي تؤثر على حياتنا، ولكن من دون وعي العقل الواعي.  بعبارة أخرى، فإن العقل الواعي الذي يمكّننا من الإحساس بالعالم اليومي والتعامل معه على شتى المستويات، قد لا يكون على أدنى علم بما يحدث في مملكة “أخيه الأكبر”، وهو اللاوعي.  ولكن كيف لنا أن نعلم أن هناك لاوعي، مع العلم أننا لسنا واعون به؟  تعرف ذلك من آثاره، خصوصاً عندما نقوم بأعمال نجهل أهدافها (مع أننا لا نجهل حقيقة قيامنا بهذه الأعمال)، وقد نكتشف النوايا الأصلية وراءها بعد سنين طويلة.  أضف إلى ذلك العبارات التي نتلفظ بها بدون انتباه (مثل زلات اللسان التي درسها فرويد) والتي قد لا نكتشف دوافعها إلا لاحقاً.  وهناك الكثير من التصرفات التي تحدث على المستوى اليومي، التي نقوم بها أولاً وبدون أي وعي، ولا نتعرف على جذورها إلا فيما بعد.  إذاً اللاوعي هو كل ما يتم في العقل بدون أي علم مباشر من قبل الفرد، مع إمكانية حدوث ذلك العلم (والذي يتعلق في المرتبة الأولى بالأهداف والنوايا الأصلية) في وقت لاحق في المستقبل.

من ناحية أخرى، مثّل اللاوعي بالنسبة ليونغ مخزناً يزخر بجميع الأفكار والمفاهيم التي ورثها الإنسان من أسلافه، والتي تتمثل على شكل صور بالمرتبة الأولى، والتي تعبر عن مواقف أصلية وأولية، متخذّرة في نفسية البشرية.  يقول يونغ أن هذه الصور القديمة تتجسد في الميثولوجيا.  مثلاً، أشار يونغ صورة “المُرشد الغامض” التي مثّلته شحصية الخضر وقصته في نُصح موسى، وكيفية عدم تفهم موسى لأعمال الخضر إلا بعد فوات الأوان.  حسب يونغ، فإن قصةً كهذه تمثل المسائل والأسرار التي استوقفت الثقافات، حيث أنه في قصة الخضر مثلاً، تتمثل مواضيع ترابط وتوازن الخير والشر، سرية وغموض القدر، عجز الإنسان العادي عن فهم القضاء (حتى موسى النبي عجر عن ذلك) ومبدأ “عسى أن تكروها شيءً وهو خير لكم”.  هذه النوعية من الأفكار ليست عرضية, وليست تلقائية، ولكنها قد تمثل محور اهتمام وحتى هوس بعض الشعوب، وقد وجدت البشرية الميثولوجيا خير وسيلة للتعبير عن تلك الاهتمامات.  ولكن يونغ ذهب إلى أبعد من ذلك وقال أن الكثير من هذه المحاور مشتركة بين الثقافات المختلفة، حيث أنها ستتوصل إليها تلقائياً ودون الحاجة إلى اقتراضها من الثقافات الأخرى؛ وتمثل تلك المحاور كذلك، أغلى ما تعاملت به الشعوب من قيم، ولكنها ليست عشوائية، حيث أنه مشتقة من التجربة البشرية المشتركة، وستكرر ذاتها في العصور المتلاحقة، وسيكون مصدرها اللاوعي المشترك بين البشر.

ولذا شدد ينوغ على الفرق بين اللاوعي الشخصي personal unconscious الذي يحتوى على القضايا الشخصية للأفراد، وبين اللاوعي الجمعي collective unconscious الذي يمثّل إرثاً مشتركاً للبشرية والذي يحتوي على شتى الأنماط البشرية في التصرف والسلوك.  ولكن ما هي محتويات اللاوعي الجمعي إذا دققنا فيها؟  بعبارة أخرى، ما هي “وحدات قياسها”؟ من هنا ننتقل إلى مفهوم “البُنى الأولية”.

 

One Response to الوعي باللاوعي: نظرة شخصية إلى أفكار كارل يونغ

  1. FABIO says:

    Hey, u asleep? No posts for 2012?
    Fabio

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*


*

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>