هذا المقال يتناول العبقرية اليابانية في الصناعة والإدارة، مستشهداً في ذلك بشركة تويوتا المعروفة

Perhaps spurred by my recent incursions into the domains of business, operations management, and marketing, I have been meditating more and more on successful companies and how they work. One result is this Arabic language article exploring the main strengths of Toyota. I am told that it was published to coincide with the visit to Aswaq Newspaper of the Japanese ambassador; thanks ambassador-san. Enjoy the article.

http://www.aswaqnews.net/ArticleNews.aspx?Id=308&IssueId=16

كايزن” و”هانساي”: دروس يابانية في كفاءة الصناعة وسلاسة الإدارة

من منا لم يَسُق سيارة تويوتا في حياته؟ لكي لا يكون هذا مجرّد سؤالاً بلاغياً، دعني أقدّم لك الجواب: تبيع تويوتا أكثر من 7.5 مليون موديلاً في السنة الواحدة. اشتهرت شركة السيارات العملاقة بالجودة العالية والأسعار المعقولة، وأصبحت تحظى بنصيب الأسد من مبيعات السيارات في العالم. كانت مبيعاتها في ارتفاع حتى هذا العام حيث توقعت الشركة، ولأول مرة منذ 70 سنة، خسارةً ستبلغ 4.9 بليون دولاراً قبل انتهاء السنة المالية. وفي محاضرة ألقاها في فبراير البروفسور (هاروو شيمادا) في جامعة الخليج، تناول هذا الباحث الياباني الكبير الإستراتيجياتِ إلى أدت إلى النمو الضخم الذي شهده الاقتصاد الياباني بعد الحرب العالمية الثانية – والتي أدت، بعد ذلك، إلى تعطلّه شبه التام منذ حوالي عشر سنوات. بعد حرب عالمية دامية تجرعت فيها اليابان قنبلتين نوويتين وهزيمة مذلة، كان الاقتصاد الوطنى في حالة من الدمار والتشرذم لم يُشهد لهما مثيل. ولكن العالمَ شهد نهوض هذا الاقتصاد من الرماد، تماماً كطائر الفينيق الأسطوري، وسيطرتَه على الأسواق العالمية في مجال السيارات، الإلكترونيات، الحواسيب، والأجهزة الدقيقة. شركاتٌ مثل تويوتا، سوني، هوندا، كانون وميتسوبيشي فرضت نفسها وبقوة على الساحة العالمية، حتى أصبحت أسماءها مقرونة بالجودة اليابانية و”الهوس” الياباني بالعمل، إذا صح التعبير. في مجال صناعة السيارات، برزت شركة يابانية عملاقة، كان لها الأثر الكبير في نشر وسائل المواصلات الحديثة وتغيير المفاهيم السائدة عن العلاقة بين الجودة والأسعار: هذه الشركة هي تويوتا. شركة تويوتا، ككل الشركات العظيمة، كان لها بدايات متواضعة: شركة تصنيع آلات نسيج وحياكة في القرن التاسع عشر. بعد الكثير من التجارب والعقبات، تمكّن (ساكيجي تويودا) وابنه (كيجيرو تويودا) من تأسيس (شركة تويودا للحياكة) في 1918. من الحياكة إلى السيارات كيجيرو لم يكن مجّردَ حائكاً. كان يُحب الاختراع والتجارب، واكتسب خبرةً كبيرةً في المحركات الصناعية من خلال عمله في شركة الحياكة. لكن بعد زيارة في عشرينات القرن الماضي لمصانع السيارات في أمريكا وأوروبا، تملكته حالة فريدة من الإلهام: ماذا لو أسّس مصنعاً للسيارات في اليابان، يضاهي نظائرهُ في العالم المتطور؟ دعنا نتذكّر هُنا ضُعف الاقتصاد الياباني في ذلك الوقت والثقافة المُنتشرة المعيقة للتطور الاقتصادي والشبيهة بالتي نراها في بعض الدول النامية اليوم (فليكن هذه نبراس أمل للعالم: اليابان بدأت من الصفر وأي دولة تستطيع أن تفعل ذلك). أضف إلى ذلك المجازفة الكبيرة الذي أقدم عليها كيجيرو باستثمار كل ماله في صناعة السيارات غير المضمونة في ذلك الزمن – مالٌ أحرزه بصعوبة بعد بيع براءة الاختراع لآلة النسيج التي كان قد اخترعها. ربّما كان لتشجيع أبيه له قبل مماته الأثر الكبير في محاولته تحقيق هذا الحلم وإقناعه للمساهمين في الشركة أن يُمولوا أبحاثه في المحركات. ولكن الحلم تحقق فعلاً في 1935 – حيث بنى كيجيرو أول نموذج من سيارات تويوتا بعد قيامه بشراء وتفكيك سيارات أمريكية والتعلّم من تصميمها. و بداية الأمر لعب التقليد دوراً مهماً في الصناعة اليابانية، ولكن كيجيرو توجّه إلى فريق عملِه قائلاً: “من الآن وصاعداً أريد الجميع أن يركّزوا كل جهودهم على إيجاد طريقة لإنتاج سيارات فائقة الجودة.” وفي إشارة رمزية على قيام الشركة الجديدة، قام كيجيرو تويودا بسياقة سيارته الحديثة الولادة إلى قبر والده. في ذات السنة قامت الشركة بتصنيع أول موديل لها، بعد تغيير إسم الشركة الرسمي من (تويودا) إلى (تويوتا)، والذي ظنه كيجيرو أسهلَ لفظاً. تويوتا في قلب أمريكا ولكن لكي نصل إلى عبقرية وروحية الشركة الحديثة، يجب أن ننتقل في الزمن إلى الستّينات والسبعينات من القرن الماضي، واقتحام تويوتا السوق الأمريكية. قبل ذلك الوقت، كان منتشراً لدى الكثير من الصناعيين انطباع انعدام الجودة في المنتجات اليابانية وعدم قدرتها بأي صورة من الصور على مضاهاة مثيلاتها الأمريكية. مثلما يُضرب المثل في رداءة الصُنع بالمنتجات الصينية اليوم (بالرغم من أن هذه النظرة بدأت تتغيّر) كان يُضرب المثل باليابان، أبان عقد الستينات، في الضعف التقني بصورة عامة وعدم التمّكن من المحركات بصورة خاصة. في 1968 ضربت تويوتا ضربتها في مجال السيارات الصغيرة، عن طريق قيامها بإدخال موديل (كورولا) في السوق الأمريكية. مصانع دترويت الضخمة في الولايات المتّحدة الأمريكية كانت غافلة عن حسنات السيارات محدودة الحجم والاستهلاك، مصرةً على إنتاج سيارات ذات أحجام كبيرة مازالت تُمثّل الشكل النمطي للسيارات الأمريكية (لوحُظ في البحرين مثلاً انتشار سيارات الـ(جي ام سي) الضخمة). بذلك حصلت تويوتا على قصب السبق في سوق السيارات الاقتصادية، سهلة التصليح ومعقولة السِعر، قائمةً في الوقت ذاته بالاستيلاء على شريحة السائقين من ذوي الدخل المحدود والمتوسّط. سر الـ TPS ولكن السؤال الرئيسي الذي يطرح نفسه: ما هو سرّ تفوّق تويوتا؟ لماذا تستطيع تويوتا صُنع سيارات بكميات كبيرة، بشكل رخيص، وبكفاءة وجودة عاليتين؟ ما هو النظام التي تنتهجه تويوتا، والذي هو محطّ غيرة مصنعي السيارات، والذي ترك شركات دترويت “نائمةً في العسل” ومتخلفة عن المنحى الحديث في طلب الزبائن لجودة عالية مقابل أسعار معقولة؟ الجواب يكمن في كلمة، بل اختصار، واحد: TPS ، أي Toyota Production System “نظام إنتاج تويوتا”. أهداف هذا النظام ثلاثة: التخلّص من الجُهد الزائد، التخلص من التضارب في الأنظمة، والتخلص من الهَدر. الهدف الأول يريد أن يُخرج أي جهد غير نافع وغير مفيد من عملية التصنيع؛ مثلاً، لماذا نصنّع 100 سيارة، فقط لأنه هذه قابلية المصنع، إذا كانت الحاجة فقط لـ50 سيارة؟ نظام تويوتا يركّز على الكم، لا الكيف، والدافع هو الحاجة، لا القابلية. الهدف الثاني يتمثل في تجنب القوانين المتضاربة والمتعارضة مع بعضها، والتركيز على توحيد المقاييس. واقعاً فقد استوعب العالم هذا الدرس، لذلك نرى التركيز على نظام الآيزو ومؤخراً على فكرة توحيد المعايير المهنية في بعض المؤسسات في البحرين. هذه الأنظمة تسمح بسير العمل بشكل سلس وطبيعي يتجنّب تخليف أي هَدر: وهذا هو الهدف الثالث. أي مؤسسة إدارية وصناعية تستطيع الهرب من عقبات الهدر والتبذير واللذين يضران بمصادر الشركة ذاتها والبيئة الأوسع؟ شركاتنا المحلية تستطيع فعلاً الاستفادة من هكذا مبدأ. نظام تويوتا يُخاطب ويحُل هذه التحديات اللوجستية، مركزاً على المصادر الفيزيائية، ومُدخلاً روحية المبادرة بين العمّال، مما من شأنه خلق ما يُعرف بـ”المؤسسة المتعلّمة” والتي تُصلحُ أخطاءها بنفسها وتكون على منوال دائم من النقد الذاتي والتطوّر. (كايزن) و(هانساي) لم يغفل البروفسور (شيمادا) الخبير في الاقتصاد الياباني والذي زار البحرين في بداية العام لإلقاء عدة محاضرات، لم يغفل عن إعطاء نبذة شاملة عن أُسس الاقتصاد الياباني وسر تفوقه. “نحن اليابانيون”، يقول شيمادا، “لا نرضى بالعمل الفوضوي وغير المتقن.” كنتُ من ضِمن الحضور وسألتُ البروفسور: “هل تعتقد أن الطريقة اليابانية في العمل تصلح في أماكن أخرى في العالم، خصوصاً هنا في الشرق الأوسط.” أتى جوابه المُطمئن بأن التكنيك الياباني، خصوصاً أسلوب تويوتا الذي عمل به البروفسور سنين طويلة، يُمكن أن يُطبّق في شتى بلدان العالم، بغض النظر عن الاختلافات الثقافية. ولكن استوقفتني في خلال النقاش لفظة يابانية لطيفة، إلا وهي “كايزن” ((kaizen. ما هو مفهوم الكايزن؟ هو فلسفة التحسين المستمر. بمعنى آخر، لا تتوقف الشركة عند أساليب العمل الحالية، بل تتعداها إلى محاولة أيجاد طُرق أكثر كفاءةً وأقلُ هدراً في الإنتاج. مفهوم التطوير المستمر هذا ينطبق على جميع مجالات الحياة، ولكن تويوتا والشركات اليابانية بعدها أخذت الفكر إلى مستوى جديد من التطبيق . عن طريق الحد من التبذير واستخدام أقل كمية من المصادر، تُصبح قائمة الجَرد (inventory) صغيرةً – مؤديةً بشكل منطقي إلى فكرة ما يُعرف بالـ”الصناعة النحيلة” (lean production). هذه الممارسات أعطت تويوتا سلاحَاً فتّاكاً للتسويق – مما سمح لها بالحفاظ على أرباح عالية حتى فترة قصيرة قبيل تفاقُم الأزمة المالية الراهنة. إذا أردنا التعمّق في فهم عبقرية الصناعة اليابانية يَجب أن نضيفَ مفهوماً آخراً إلى نقاشنا: “هانساي” (hansei). الهانساي هو مفهوم يرتبط بالتفكّر المستمر، انتقاد الذات، الاعتراف بالخطأ، والسعي إلى تحسين النفس. التفكّر المستمر في الذات من أساسيات الثقافة، ومن ثَم الصناعة اليابانية، والتي مكنّت الشركات اليابانية من التطوير المستمر في ثقافة عملها. هل هناك خطأ في عملية إنتاج مُنتج ما؟ هل هناك تعطل لآلية ما؟ في شركة مثل تويوتا يُقال: إذهب وانظر وفكّر (go, see, and think). مفهوم “هانساي” يذهب إلى عُمق تولي المسؤولية والاعتراف بالخطأ، مما لا يدع مجالاً للشك في التزام الشركة بالكايزن. قد أُجازف بتكرير الشعارات القديمة وإضجار القارئ بترديد الكليشيهات، ولكن أين وَضع الصناعة والإدارة، بل الثقاف العامة في الوطن العربي، من التحسين والتفكّر المستمرين؟ يَقول اللغويون أنه من الصعب جداً إعطاء ترجمة دقيقة لكلمتي “كايزن” و”هانساي” ولكن هل المشكلة في الترجمة؟ يبدو لي، على العكس، أن المشكلة تكمن في التطبيق. فنتائج عقلية التطوير واضحة وجليّة في تفوق الصناعة اليابانية عامةَ وتويوتا خاصةً. واليابان نفسها تحاول نشر هذه الثقافة من خلال إرسال عدد كبير من البحرينيين مثلاً لإكمال دراساتهم العليا في جامعات يابانية مرموقة. نحنُ في الشرق الأوسط في أمس الحاجة إلى نفحة عبقرية جديدة، تُخرجنا من مرحلة التقليد الأعمى وغير الدقيق إلى مرحلة الإنتاج المستقل. دعنا نستفيد – متذكرين أن الحكمةُ ضالة المؤمن – من الدروس اليابانية التي سطّرها كيجيرو تويودا و مئات المُبدعين من أمثاله.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*


*

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>